سورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم
سورة ص

بالعودة إلى تسلسل آيات السورة نجد أن الموضوع يتمحور على محورين هما: الأول  أدب الصبر على ذكر الله بأشكاله من عبادة جسدية أو معنوية في حال الرخاء أو الشقاء والثاني أن الملك والعزة لله ..وليس صاحب البلاء بأولى من المنعم  بالصبر والذكر فهما في البلاء سواء وقد يكون أصعب على أهل النعم تذكر الله في كل وقت لانشغال حالهم بنعمهم أما المبتلى فشقاؤه يحفزه للدعاء في كل وقت ومع ذلك فالخطاب جمعهم في مركب واحد  .فأما المبتلى فهو في حال صبر وتذلل دائم لله وأما المنعم عليه فعليه أن يروض نفسه على الصبر والتذلل بالشعور بالتواضع والاعتزاز بالله في كل حال ... لذا خص الله  أيوب بتعظيم صبره ومعلوم ابتلاؤه العظيم بصفة الصبر والتذلل ، وخص داوود وسليمان وهما نبيان ولهما من النعم ما حجب عن أغنى أغنياء ملوك الارض..  ومع ذلك فقد خصهما الله عز وجل كلاهما بالصبر على إقرار العبودية لله والتذلل له وعدم السهو والانشغال وأن العزة لله مهما بلغ ملكهما .
وفي السرد القرآني للسورة نلاحظ اختلاف أسباب الصبر عند المؤمنين واختلاف أسباب عدمه عند الكافرين ..فعند المؤمن  بدأ  بتذكر قيمة ما نملك وتوكيل الله فيه..والصبر على التواضع لله والحكم بحكمه كما عند داوود ..والصبر على عدم الانشغال عن طاعة الله كما عند سليمان ..ولعل جمع الصبر والتذلل مع التواضع في حال الملك والغنى أشد منه في حال الضعف والمرض لذا وردت قصتان في هذا الموضع ..ثم الصبر في حال الشدة والابتلاء الجسدي والمادي ..وأخيرا الصبر على الدعوة لله بلا كلل كما هو عند جميع الانبياء عامة والنبي محمد عليه السلام خاصة لأن الآيات تخاطبه ..
أما أسباب عدم الصبر عند الكافرين فهو الاعتزاز بالنفس بدل الله ، وكثرة الشقاق والخصام التي تورث النفس كفرا ونفاقا ،ثم الاستكبار كما  عند ابليس الذي أورثه استكباره قنوطا ويأسا لأنه ظن بمقارنته نفسه مع الله أنه يخضع لنفس القوانين وحاشا لله فاستكبر وحسد آدم وهذا ضد الصبر، وهذا ما أصاب الأمم الكافرة التي طال عليها الأمد وابتعدوا عن مصدر المنهج كعاد وثمود وآل فرعون فما نفعهم تعنتهم عند وقوع العذاب ..فلم يصبروا آنفا ليصبروا عليه في وقته
أولى الآيات  {ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) } وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)
 تبين لنا المنهج الرباني في وصف المشركين وخطابهم للرسول عليه السلام بتبجح حول دلائل ملك الله وربوبيته ، فكيف خص الله نبوته للرسول الكريم من بينهم ومسوغهم بذلك عزتهم بأنفسهم وشقاقهم وتحالفهم ضد بعض فعتوا  وتجبروا وظنوا أن آلهتهم التي صنعوها تنصرهم من الله ، بل دعوا للصبر على الآلهة فعكسوا أدب الصبر وأخرجوه عن مكانه. فكان رد الله الذي له خزائن السماوات والأرض ..ألهم سلم يرتقون به ليبلغوا الملك الذي جعلوه لغير الله واعتزوا بما لا يضر ولا ينفع ونسوا صاحب العزة والملك -الله جل جلاله- ..
نلاحظ بدء الآيات بتوجيه الخطاب للرسول عليه السلام لتصبيره على دعاوي المشركين .. ثم كعادة النص القرآني بسرد القصص لتقوي من عزيمة نبينا  وتذكره بحياة الأنبياء الذين واجهوا أنفسهم وأقوامهم ..الآيات هنا تسرد تذكيرا لقصص تدل على الصبر وجهاد النفس ..وعدم الانجرار في الدنيا ، لأنه كما ذكرت في الفقرة الأولى أدب الصبر واحد ،فإما نصبر بتطويع نفوسنا لمنهج الله وإما نصبر على منعها من الانجرار لما يحيطها من ظلم
{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ١٧ )إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ١٨)وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ١٩)وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ ٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ٢٥) َيا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ٢٦) }
في قصة داوود هنا وصفه عز وجل ب (ذا الأيد) وبالأواب ، ذا الأيد لأنه كما ذكر المفسرون قويا في العبادة وفي طاعة الله والصبر عليها ..فالعبادة تحتاج صبرا كما ذكر عز وجل في سورة أخرى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ..الصبر في العبادة يورث صبرا على مكاره الدنيا فكان نبينا عليه السلام يقول (أرحنا بها يا بلال).
 ثم وصفه إنه أواب لكثرة إيابه لله فور إحساسه بجنوح نفسه ولو يسيرا فكان لا يعطي نفسه مجالا بل يردعها ، وهنا هذا النص يبين لنا كثرة انتباهه لنفسه ولرموز الله التي يرسلها له ليؤدبه بها الأدب الذي يليق بهما كإله عظيم ونبي عظيم .
أرسل عز وجل ملكان برسالة رمزية لا يفهمها إلا من هو بمقام داوود الأواب لنتعلم نحن بالتالي من هذه العظمة وليصبر نبينا عليه السلام بتذكر اخوته في النبوة وابتلائهم في الصبر .
جاء الملكان لداوود في محرابه ففزع منهم وظهر ذلك عليه لأنهم ظهروا فجأة أمامه ،فعرضوا عليه القضية التي تداولها داوود للوهلة الأولى كقضية أرضية مثل التي تعترضه يوميا كملك وقاض ، قالوا لا تخف خصمان بغا بعضنا على بعض ، ولا نفهم من السياق أنه استمع لواحد فقط لأنهما ماثلان أمامه ، فتحدث الأول قال هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب ،أي أن أخاه طلب منه أن يكفل له نعجته باعتباره لديه الكثير وسترعى مع البقية و لكنه عزه بإعادة حقه إليه ، فرد داوود بسرعة باعتبارها قضية واضحة، (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) ثم تحدث عن الخلطاء بمعنى الذين يتكفلون أموال الناس فتختلط بأموالهم ، (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين أمنوا) ، وقال (وقليل ما هم ) أي كما نقول إلا من رحم ربي ،وداوود باعتباره الملك الحكيم المعروف عنه أنه لا يخطئ بقضية تعرض عليه كما قال عنه عز وجل (آتيناه الحكمة وفصل الخطاب) كلامه سليم لو كانت قضية دنيوية ، ولكنه انتبه أن القضية رمز ، فالتسع وتسعون نعجة هي رمز لأسماء الله ، وله الأسماء كلها وأن الله خصه باسم وصفة من صفاته هي الملك وأراد أن يذكره أن التوكل والتواضع هو أصل الحكم والملك ، ليذكره أن هذه الصفة قد من الله بها عليه وهو أقدر أن يدبرها ، وعلى داوود أن يتذكر أنه إنما يملك ما أعطاه عز وجل  وأنه عندما يتوكل على الله فإنما يتوكل عليه بتقدير ما وهبه من ملك الله ليصير إلى ملكه ولا يملك لنفسه شيئا ، فخر راكعا وأناب لأنه فهم مباشرة مقصود الله ، وهذا من أنواع الصبر بتطويع النفس لله بكل حال عندما نصيب نحمد الله الذي يسر لنا الصواب وعندما نخطئ نستغفر الله ونرجع عن خطئنا ، فكان صبر داوود هنا صبر حمد ، ليتذكر أنما يصيب بقوة الله وحوله.
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُواْ الْأَلْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ}
هذه المقارنة التي يعرضها لنا عز وجل والمفارقة بين حال صبر المؤمنين على إيمانهم وصبر الكافرين على كفرهم ، يصفها  تعالى في سورة النساء{ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون  وترجون من الله ما لايرجون وكان الله عليما حكيما}١٠٤ النساء
شتان بين من يصبر على جور وباطل وإفساد وبين من يصبر على تقواه وإيمانه.
نتابع في قصة سليمان ، كان يستعرض خيله التي يجاهد بها حتى قبيل المغرب ففطن إلى ورده ويقال إلى صلاة العصر فأمر بالخيل فضرب بأعناقها لتسببها بنسيانه ذكر الله ، وأما بشرح ابن عباس أنه مسح على سوقها وأعناقها حبا بها ،لأنه لا يمكن أن يكون قتلها بغير ذنب. 
وبكلا الحالين نفهم أن سليمان عليه السلام كان يراوح نفسه بدرجات الصبر فالذكر صبر والجهاد صبر ومتابعة الرعية صبر ولكن هناك أولويات ، وهو النبي الذي يعلم أن ذكر الله هو أعلى مرتبات العبادة ،وفي الحديث الشريف:
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى).


ثم يكمل عن سليمان بقصة بعد اجتيازه لاختبار هوى النفس بأن قال عز وجل ولقد فتنا سليمان أي وضعه عز وجل في اختبار من نوع آخر، اختبار العرش والملك، ألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب.
في التفاسير لهذه الآية تذكر أن
شيطانا اسمه صخر استولى على خاتم سليمان وهذا الخاتم الذي فيه ملكه وألقاه في البحر وجلس مكانه اربعين يوما ولم يستطع سليمان العودة لملكه إلا بعد أن وجده في بطن سمكة كان قد اشتراها فعاد لملكه َدعا دعاءه {رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي}
لا أعلم الدقة في سرد تفسير القصة مع وجود تناقضات في الروايات فجل من لا يسهو، وهناك حديث يذكر في تفسير الآية أنه أقسم أن يطوف على أربعين من جواريه في ليلة واحدة فتنجب كلا منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فما ولدت إلا جارية واحدة شق غلام وضع على كرسيه لتذكيره بذنبه ، وفي هذه الرواية من التناقض ما لا يليق بسليمان ولا بالله عز وجل ، فكيف يطوف على اربعين جارية في ليلة واحدة ، وكيف يكون شق الغلام ابتلاء ، ولكن سمعت تفسيرا للشيخ عمران حسين يذكره حولها، أن هذا الإلقاء كان برؤيا رآها سليمان ونعلم أن رؤيا الأنبياء حق، ففهم من الجسد أنه كائن بلا روح دليل على الشر البحت والكرسي دليل العرش، ففهم أن مخلوقا غاية في الشر يطمح بكرسي العرش على ملك بني إسرائيل من بعده، ودعا دعاءه الذي يعني أن لا يبقى ملكه من بعده لأحد، خوفا على دين الله وأمته من هذا الشرير، وأما نحن نعلم أن هذه صفة الدجال وقد نوه رسول الله أن ما من نبي إلا حذر أمته من الدجال، فاستجاب له الله إذ لم نسمع عن ملك سليمان بعده، وأثابه الله بحرصه أن عظم ملكه وزاده فضم إليه الريح تجري بأمره والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد ولا نعلم قد يكون الدجال أحدهم – والله أعلم-

{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48)}
هنا في قصة أيوب الصبر على الأذى الجسدي ، وما  نعلم من قصة أيوب أنه كان ذا مال وجاه وأبناء وجمال فابتلي بخسارة كل ذلك وصبر وطال صبره وما بقي معه إلا زوجته فطلبت منه أن يطلب من الله أن يكشف عنه ذلك فغضب منها لخجله من الله أن يستعجل بالدعاء قبل أن يمر عليه بالبلاء كما مر عليه بالنعم ، وأقسم أن يضربها ،ثم رق قلبه وحزن عليها ولجأ لله بالدعاء ، ولا يؤخر الله طلبا لنبيه الصابر المتذلل بالعبادة ، فقال له عز وجل أن يغتسل بالمغتسل البارد فشفي ، ولعلنا نفهم هنا أهمية الاغتسال بالماء البارد لما له فوائد ولأنه شديد على الشيطان ، ثم عوضه الله كل ما خسر وزيادة ، حتى أن زوجته عندما عادت لم تتعرف عليه من جماله ، وظل بباله قسمه فقال له الله خذ بيدك ضغثا ولا تحنث أي اضربها بكومة من عيد القش الصغيرة التي لا تضر حتى يوفي بقسمه ، هذا جزاء الصبر .
وكما هو حال جميع الأنبياء اختلف السبب والصبر واحد ، شديد على النفس والجسد ولكن جزاءه عظيم في الدنيا والآخرة.

{هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(66)}

هذا ذكر ، ذكر صبر الأنبياء على إيمانهم وذكر تمسك الكافرين بكفرهم ، هذا ذكر الله الذي يرفع به الحق ويهوي به الباطل وعاقبة كل منهم حسب صبرهم في الدنيا على تطبيق شرع الله، فإما نعيم دائم أو جحيم لا يحتمل ، وما حال الكافرين به؟ كحالهم في الدنيا خصام وشقاق وحسد حتى وهم في هذه البقعة ، ثم يحسدون من لا يجدوا من ظنوه من أهل النار ، لأنهم كانوا يضعون الناس على مكيالهم فيزنزن بموازينهم العقيمة ، ميزان الكبر والتسلط ، كانوا يتألون على البشر يدخلون أنفسهم الجنة ويدخلون الآخرين النار ظنا أنهم أفضل وأرفع مكانا منهم ، فجلسوا في جهنم بحسرتهم .

{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)}
قل هو نبأ عظيم هذا الذي أراد الله من نبيه أن يتذكره وأن يبلغه لقومه، وإنما صبره على المشركين ما هو إلا ابتلاء دنيوي، وأما دعوته لله هي رأس الأمر ليأتي يوم الحساب ويكشف كل صاحب حق ويكشف النوايا والأفعال ،
وأن اختصام الملأ الأعلى بعد خلق آدم وتكبر آدم عن السجود فما علمه رسول الله إلا من الوحي، وهل يصبر إبليس على اختبار مثل هذا ، وهو الذي كان يظن أنه المرشح لخلافة الأرض ؟ وهل يصبر أهل الاستكبار حين يرون من يظنونهم دونهم وقد أضحوا فوقهم ، ثم ليسجد له ، ربما ظن إبليس أن الله ما خلق آدم إلا ليعذبه ويحقره ، فكيف يعلم أمثاله الحكمة من الخلق والخلافة ، وكيف يروض نفسه المتكبرة على الصبر على طاعة الله والتذلل في العبادة والذكر ، هيهات ، هؤلاء هم أهل النار شعارهم الشقاق والخصام وأداتهم الكبر والغرور ، وأما أهل الحق فلا يبتغون أجرا إلا الدعوة لله وإيصال الذكر للبشر ،وما نعلم إلا قطرة من محيط ولتلعمن نبأه بعد حين
عائشة الكيلاني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق